واحتلت مصر مكانة خاصة في الأدب الرومانسي الفرنسي، ووفد إليها كبار
الكتّاب والفنانين ورحّالة أمثال سافاري، وفولني، وجيرار دي نرفال،
ومارميه، وفلوبير، و مكسيم دي كوم، وجان جاك أمبير، الذين لم تخل كتاباتهم
من استغراق في تأمل المرأة المصرية وعاداتها الشرقية، مقارنة بنساء الغرب.
"المصرية بين سافاري وفولني"
كان من أبرز ما ظهر خلال القرن 18 كتابان عن رحلتين استحقتا اهتمام المؤرخين، أسهمتا في تشكيل صورة ذهنية لطبيعة ذلك البلد وأهله لدى الغرب، لاسيما نابليون بونابرت قبل مجيء حملته إلى مصر عام 1798، الأول بعنوان "رسائل عن مصر" للرحالة الفرنسي كلود إيتان سافاري عامي 1785 و 1786، والثاني بعنوان "رحلة إلى سوريا ومصر" كتبه قسطنطين فرانسوا فولني عام 1787. وحقق الكتابان رواجا في ذلك الوقت، وظهرت ثلاث طبعات فرنسية لهما، وتُرجما إلى الألمانية، كما ترجمت رحلات سافاري إلى الإنجليزية أيضا.
قدم سافاري أول صورة حية رشيقة للمرأة المصرية في بيئتها اختلفت بالطبع عن المألوف في قصص "ألف ليلة وليلة"، قائلا :
"تذهب الريفيات لغسل ملابسهن وجلب المياه. كلهن يغتسلن واضعات جرارهن وملابسهن على الشاطيء، ويفركن أجسادهن بطمي النيل ثم يندفعن إلى المياه ويتلاعبن بالأمواج. شعورهن مجدولة تطفو على أكتافهن، وجلودهن سمراء لوحتها الشمس، ومعظمهن جميلات ممشوقات القد".
بينما يطالعنا فولني في رحلته بسخرية من وصف سافاري السابق، بعين مختلفة تماما وهو يتحدث عن ريف مصر، على سبيل المثال، ونسائه قائلا:
"لا يمكن بأي حال أن يُذكر قدُ ممشوق لامرأة مصرية، لوحته الشمس وكساه العرق وهن يستحممن، إلا إذا كان يعاني (يقصد سافاري) من إحساس كبير بالحرمان".
يطرح هذا التضارب بين اثنين من أشهر رحّالة القرن 18 تساؤلا بشأن حقيقة ما نقله الرحّالة بالفعل عن المرأة ومصر عموما، والذي تأثر بدون شك بالنزعة الفكرية للكاتب نفسه على نحو طمس تفاصيل أخرى لذلك السياق، لاسيما وأن العصر لم يكن يهتم بدرجة كبيرة بالرسم أكثر من السرد، وهو ما دفع المؤرخ الفرنسي جون-ماري كاريه في دراسته "رحّالة وكتاب فرنسيون في مصر" إلى الحديث عن هذا التناقض بينهما قائلا:
"رحلتا سافاري وفولني مختلفتان كاختلاف مؤلفيهما. لم يكن سافاري غير رحّالة، أما فولني فقد أراد أن يكون فيلسوفا. كان سافاري مشبّعا بالمدرسة الرومانسية وبروح روادها، روسو و برناردان دي سانت بيير، كاتبا على طراز شاتوبريان، أما فولني فكان قلقا حذرا مترقبا متشائما أميل إلى الإحساس دوما بخيبة الأمل".
المصرية في "وصف مصر"
جاء علماء الحملة الفرنسية (1798-1801) وحسموا الكثير من علامات الاستفهام في دراسات كتاب "وصف مصر" وقدموا صورة مكتوبة مصحوبة لأول مرة بلوحات أقرب إلى تصوير واقع المجتمع والمرأة المصرية على نحو يغاير أعمال من سبقوهم من الرحّالة في القرنين ال17 و 18، والتي ظلت عالقة في مخيلة القاريء الغربي الباحث عن الصور الخيالية الأقرب لأساطير "ألف ليلة وليلة".
وكتب العالم الفرنسي دي شابرول أول دراسة علمية مستفضية بعنوان "دراسة في عادات وتقاليد سكان مصر المحدثين" ضمن دراسات كتاب "وصف مصر"، وتحدث عن المرأة المصرية في الطبقة العليا قائلا:
"تقضي المرأة يومها راقدة فوق فراشها أو جالسة على وسائد رخوة، تحيط بها مجموعة من الإماء شديدة الانتباه، لحد يتنبأن معه بما قد يجول في خاطرها(سيدتهن) حتى يوفرن عليها حركة الإشارة بإصبعها، لذا كانت مثل هذه السيدة تكتسب في وقت قصير بدانة غير مستحبة".
ثم ينتقل شابرول إلى وصف يناقض تماما المشهد السابق عن طبيعة المرأة المصرية في الطبقة الدنيا:
"يتغير كل شيء في الطبقة الدنيا، فالنساء مهمومات بأمور المنزل، لن تُخلق من أجلهن مباهج البطالة، تجدهن في الحقول يقاسمن أزواجهن العمل، ويساهمن على الأقل في جعل العمل مع أزواجهن أقل مشقة، لذا تراهن يتمتعن بكل الخصائص الجسدية التي تنتج عن هذا العمل الدوري، فأجسامهن قوية عارية من الشحوم، وحركاتهن سهلة، وخطواتهن ميسورة، على نقيض خطوات السيدات الثريات الثقيلة المتعثرة، وعلى الرغم من بساطة ملابسهن، فإن لديهن رغبة في التميز وسط رفيقاتهن بوضع بعض الحلي المتواضعة".
وعن اهتمام المصرية بجمالها، لفت نظر العالم الفرنسي جان-فرانسوا شامبليون سحر المرأة وطريقة تزيين جسدها بالوشوم أثناء زيارته لمصر في عام 1828 (لمدة 18 شهرا)، وكتب في رسالة بتاريخ 14 سبتمبر / أيلول 1828، وردت ضمن "مجموعة الرسائل واليوميات خلال رحلة مصر" التي جمعتها المؤرخة هرمين هارتلبن، قائلا:
"عندما اخترقنا شوارع هذه القرية (كفر الزيات) كنت أسرعت في رسم ما تتحلى به النساء من نقوش مختلفة على الذقن والذراعين. وتستخدم في عمل هذا الوشم الذي غالبا ما يكون أزرق اللون ثلاث أو أربع إبر تُربط بخيط وتُغمس في الحبر أو في مسحوق الفحم المذاب في الماء، ثم تُغرز في البشرة حتى تُدمى، تبعا لشكل النقوش المرغوب عملها."
"المصرية بين سافاري وفولني"
كان من أبرز ما ظهر خلال القرن 18 كتابان عن رحلتين استحقتا اهتمام المؤرخين، أسهمتا في تشكيل صورة ذهنية لطبيعة ذلك البلد وأهله لدى الغرب، لاسيما نابليون بونابرت قبل مجيء حملته إلى مصر عام 1798، الأول بعنوان "رسائل عن مصر" للرحالة الفرنسي كلود إيتان سافاري عامي 1785 و 1786، والثاني بعنوان "رحلة إلى سوريا ومصر" كتبه قسطنطين فرانسوا فولني عام 1787. وحقق الكتابان رواجا في ذلك الوقت، وظهرت ثلاث طبعات فرنسية لهما، وتُرجما إلى الألمانية، كما ترجمت رحلات سافاري إلى الإنجليزية أيضا.
قدم سافاري أول صورة حية رشيقة للمرأة المصرية في بيئتها اختلفت بالطبع عن المألوف في قصص "ألف ليلة وليلة"، قائلا :
"تذهب الريفيات لغسل ملابسهن وجلب المياه. كلهن يغتسلن واضعات جرارهن وملابسهن على الشاطيء، ويفركن أجسادهن بطمي النيل ثم يندفعن إلى المياه ويتلاعبن بالأمواج. شعورهن مجدولة تطفو على أكتافهن، وجلودهن سمراء لوحتها الشمس، ومعظمهن جميلات ممشوقات القد".
بينما يطالعنا فولني في رحلته بسخرية من وصف سافاري السابق، بعين مختلفة تماما وهو يتحدث عن ريف مصر، على سبيل المثال، ونسائه قائلا:
"لا يمكن بأي حال أن يُذكر قدُ ممشوق لامرأة مصرية، لوحته الشمس وكساه العرق وهن يستحممن، إلا إذا كان يعاني (يقصد سافاري) من إحساس كبير بالحرمان".
يطرح هذا التضارب بين اثنين من أشهر رحّالة القرن 18 تساؤلا بشأن حقيقة ما نقله الرحّالة بالفعل عن المرأة ومصر عموما، والذي تأثر بدون شك بالنزعة الفكرية للكاتب نفسه على نحو طمس تفاصيل أخرى لذلك السياق، لاسيما وأن العصر لم يكن يهتم بدرجة كبيرة بالرسم أكثر من السرد، وهو ما دفع المؤرخ الفرنسي جون-ماري كاريه في دراسته "رحّالة وكتاب فرنسيون في مصر" إلى الحديث عن هذا التناقض بينهما قائلا:
"رحلتا سافاري وفولني مختلفتان كاختلاف مؤلفيهما. لم يكن سافاري غير رحّالة، أما فولني فقد أراد أن يكون فيلسوفا. كان سافاري مشبّعا بالمدرسة الرومانسية وبروح روادها، روسو و برناردان دي سانت بيير، كاتبا على طراز شاتوبريان، أما فولني فكان قلقا حذرا مترقبا متشائما أميل إلى الإحساس دوما بخيبة الأمل".
المصرية في "وصف مصر"
جاء علماء الحملة الفرنسية (1798-1801) وحسموا الكثير من علامات الاستفهام في دراسات كتاب "وصف مصر" وقدموا صورة مكتوبة مصحوبة لأول مرة بلوحات أقرب إلى تصوير واقع المجتمع والمرأة المصرية على نحو يغاير أعمال من سبقوهم من الرحّالة في القرنين ال17 و 18، والتي ظلت عالقة في مخيلة القاريء الغربي الباحث عن الصور الخيالية الأقرب لأساطير "ألف ليلة وليلة".
وكتب العالم الفرنسي دي شابرول أول دراسة علمية مستفضية بعنوان "دراسة في عادات وتقاليد سكان مصر المحدثين" ضمن دراسات كتاب "وصف مصر"، وتحدث عن المرأة المصرية في الطبقة العليا قائلا:
"تقضي المرأة يومها راقدة فوق فراشها أو جالسة على وسائد رخوة، تحيط بها مجموعة من الإماء شديدة الانتباه، لحد يتنبأن معه بما قد يجول في خاطرها(سيدتهن) حتى يوفرن عليها حركة الإشارة بإصبعها، لذا كانت مثل هذه السيدة تكتسب في وقت قصير بدانة غير مستحبة".
ثم ينتقل شابرول إلى وصف يناقض تماما المشهد السابق عن طبيعة المرأة المصرية في الطبقة الدنيا:
"يتغير كل شيء في الطبقة الدنيا، فالنساء مهمومات بأمور المنزل، لن تُخلق من أجلهن مباهج البطالة، تجدهن في الحقول يقاسمن أزواجهن العمل، ويساهمن على الأقل في جعل العمل مع أزواجهن أقل مشقة، لذا تراهن يتمتعن بكل الخصائص الجسدية التي تنتج عن هذا العمل الدوري، فأجسامهن قوية عارية من الشحوم، وحركاتهن سهلة، وخطواتهن ميسورة، على نقيض خطوات السيدات الثريات الثقيلة المتعثرة، وعلى الرغم من بساطة ملابسهن، فإن لديهن رغبة في التميز وسط رفيقاتهن بوضع بعض الحلي المتواضعة".
وعن اهتمام المصرية بجمالها، لفت نظر العالم الفرنسي جان-فرانسوا شامبليون سحر المرأة وطريقة تزيين جسدها بالوشوم أثناء زيارته لمصر في عام 1828 (لمدة 18 شهرا)، وكتب في رسالة بتاريخ 14 سبتمبر / أيلول 1828، وردت ضمن "مجموعة الرسائل واليوميات خلال رحلة مصر" التي جمعتها المؤرخة هرمين هارتلبن، قائلا:
"عندما اخترقنا شوارع هذه القرية (كفر الزيات) كنت أسرعت في رسم ما تتحلى به النساء من نقوش مختلفة على الذقن والذراعين. وتستخدم في عمل هذا الوشم الذي غالبا ما يكون أزرق اللون ثلاث أو أربع إبر تُربط بخيط وتُغمس في الحبر أو في مسحوق الفحم المذاب في الماء، ثم تُغرز في البشرة حتى تُدمى، تبعا لشكل النقوش المرغوب عملها."